حسن بن موسى القادري

103

شرح حكم الشيخ الأكبر

وقال بعض الفقهاء : هو تعلق القلب بمطموع يحصل في المستقبل مع الأخذ في العمل

--> - وقد قال بعض المحققين : من أعطي كليته في العلم أخذ كليته ، ومن لم يعط كليته لم يأخذ بعضه ، ولا كليته وفي الحديث عنه صلى اللّه عليه وسلم : « إنّما العلم بالتّعلّم ، وإنّما الحلم بالتّحلّم ، من يطلب الخير يؤته ، ومن يتّق الشّرّ يوقه » انتهى . والذي تفيده التقوى إنما هو فهم يوافق الأصول ، ويشرح الصدور ، ويوسع المعقول ، ومن كان رجاؤه الوصول إلى إدراك المقامات وتحقيق المنازلات ومواجيد المحبين وأذواق العارفين فعليه بصحبة الفحول من الرجال أهل السر والحال ، بحط رأسه وذبح نفسه ، والأخذ فيما كلفوه به من الأعمال مع الذل والافتقار والخضوع والانكسار ، فإن زعم أنه لم يجدهم فليصدق في الطلب ، فسر اللّه كله في صدق الطلب ، وليستغرق أوقاته في ذكر اللّه ، وليلتزم الصمت والعزلة ، وليحسن ظنه باللّه ، وبعباد اللّه ، فإن اللّه يقيض له من يأخذ بيده : إِنْ يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْراً يُؤْتِكُمْ خَيْراً مِمَّا أُخِذَ مِنْكُمْ [ الأنفال : 70 ] . قال في القواعد قاعدة : طلب الشيء من وجهه وقصده أقرب لتحصيله . وقد ثبت أن حقائق علوم الصوفية منح إلهية ، ومواهب اختصاصية لا تنال بمعتاد الطلب فلزم مراعاة وجه ذلك ، وهو ثلاث : أولها : العمل بما علم قدر الاستطاعة . الثاني : اللجأ إلى اللّه على قدر الهمة . الثالث : إطلاق النظر في المعاني حال الرجوع لأصل السنة ، فيجري الفهم وينتفي الخطأ ويتيسر الفتح . وقد أشار الجنيد رحمه اللّه تعالى إلى ذلك بقوله : ما أخذنا التصوف عن القيل والقال والمراء والجدال ، إنما أخذناه عن الجوع والسهر وملازمة الأعمال ، أو كما قال . وفي الخبر عنه صلى اللّه عليه وسلم : « من عمل بما علم أورثه اللّه علم ما لم يعلم » . وقال أبو سليمان الداراني رضي اللّه عنه : إذا اعتقدت النفوس على ترك الآثام جالت في الملكوت ، ورجعت إلى صاحبها بطرائف العلوم من غير أن يؤدي إليها عالم علما انتهى . فمن رجا أن يدرك هذه الأمور المتقدمة وشرع في أسبابها وتحصيل مبادئها كان علامة على نجح مطلبه ، وكان رجاؤه صادقا . ومن طمع فيها من غير أن يأخذ بالجد في أسباب تحصيلها كان أمنية أي غرورا وحمقا . وكان الحسن رضي اللّه عنه يقول : يا عباد اللّه اتقوا هذه الأماني ، فإنها أودية النّوكى يحلون فيها ، فو اللّه ما أتى اللّه عبدا بأمنية خيرا في الدنيا والآخرة انتهى . والنوكى بفتح النون جمع أنوك ، وهو الأحمق ، ولما كان من رجا شيئا ، وطمع فيه الغالب أنه يطلبه بين الشيخ خير ما يطلبه العبد ويرجوه .